21 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

ناهض حتر

" نيويورك تايمز" تهاجم !

ناهض حتر


في تطوّرٍ غير مسبوق، شنت افتتاحية " نيويورك تايمز"، في 1 تموز 2016، هجوما عنيفا جدا على النظام السياسي الأردني؛ الافتتاحية الجارحة تأتي بعد أيام من قيام " نيويورك تايمز" نفسها بنشر تقرير عن وجود فساد في عملية التسليح الأميركي ـ السعودي لجماعات المعارضة "المعتدلة" في سوريا، عبر الأردن؛ كشف التقرير ذاك عن تورط ضباط استخبارات أردنيين بتحويل هبات السلاح إلى السوق السوداء المحلية والإقليمية.
" نيويورك تايمز"، كما هو معروف، هي الصحيفة الأكثر تعبيرا عن قيادة الحزب الديمقراطي الأميركي، والأكثر قدرة في التأثير على صانعي القرارات في السياسة الأميركية الديمقراطية؛ فالأمر، إذاً، يشير إلى رفع الغطاء الأميركي عن النظام الأردني، خصوصا إذا ما اتجهت الانتخابات الرئاسية الأميركية إلى فوز هيلاري كلنتون.
أصبح الفساد،في مستوياته المتعددة، ويا للأسف ـ وبسبب تجاهل تصفية ملفات الفساد الكبرى ـ من الملامح الراسخة في صورة الأردن، الإقليمية والدولية؛ لكن " نيويورك تايمز" ليست مهتمة بعملية الفساد نفسها، بقدر ما تستهدف الميزة التفضيلية الأردنية الوحيدة، أي المؤسسة الأمنية والعسكرية. وليس مصادفة أن هذه المؤسسة بالذات، ما زالت تتلقى، وكأنما في تناغم كامل مع الحملة الأميركية، ضربات من شبكة المحافظين الجدد ـ النيوليبراليين الجدد، المحلية، العائدة للهيمنة على السلطة بعدما أزاحها الحراك الشعبي مؤقتا.
ترفع " نيويورك تايمز" رايات الغضب الشديد حيال عملية تسرّب سلاح، تقول هي أن قيمته لا تتعدى أثمان أجهزة أيفون وسيارات حديثة، بينما تتجاهل ملفات الفساد النيوليبرالي الضخمة في خصخصة المرافق الاقتصادية والخدمية والتسهيلات والسرقات وسوء الإدارة الخ مما كلّف البلاد من المديونية العامة،حوالي 37 مليار دولار، وهناك من العائدات الفائتة المضيّعة المهدورة ما يزيد على هذا المبلغ الذي يساوي الناتج الإجمالي المحلي وأدى إلى خلق المئات من أصحاب المليارات والآلاف من أصحاب الملايين في مجتمع يتضور بطالة وفقرا وتهميشا؟
بعد سنوات من تفكيك القطاع العام المدني والاقتصادي وضرب بيروقراطية الدولة في هذين الحقلين، تحت مطرقة الخصخصة وتنحية الحكومات عن الولاية الدستورية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، جاء دور البيروقراطية الأمنية والعسكرية، وحاضنتهما العشائرية.
الضربتان الإرهابيتان اللتان وُجّهتا إلى مخابرات البقعة ونقطة الركبان الأمنية على الحدود الأردنية ـ السورية، ليستا ، إذاً، مجرد عملين إرهابيين " معزولين"؛ هناك استهداف صريح للمخابرات والعسكر؛ الحجة هي الفساد والسبب الفعلي هو الاعتراض المبطن ـ وإنما الفعال ـ على سياسات النظام النيوليبرالية. وهو اعتراض يقترب من مساندة الحراك الشعبي كما رأينا في ذيبان مؤخرا.
المشروع الخاص بالأردن، اليوم، يتمحور حول الجيش والمخابرات؛ فهما العقبتان الباقيتان أمام التغيير الإصلاحي ـ وموضوعه التوطين السياسي ، الكونفدرالية الخ والإلغاء النهائي لدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، وتحويل النظام الأردني إلى مَلَكية مطلقة، دستوريا وواقعيا.
الإرهاب التكفيري هو أداة جارحة في تحقيق الهدف أعلاه؛ لكن هناك أدوات أخرى سياسية واقتصادية ( ما يثبت، مجددا/ أن الإرهاب والنيوليبرالية وجهان لعملة واحدة؛ ) قرر القصر، وخضعت الحكومة والبرلمان وقيادات البيروقراطية المنهارة للتعديلات الدستورية التي تنص على حكم فردي بلا مسؤولية،وعلى قانون الانتخابات وتقسيم الدوائر الانتخابية، المصممين لإضعاف البيروقراطية والعشائر والحركة الوطنية؛ وقانون اللامركزية المصمم لتفكيك الدولة المركزية، وتسهيل عودة اندماج محافظات الضفة الغربية بالبنية الأردنية وعودة المحافظين الجدد ـ الليبراليين الجدد، لإدارة الاقتصاد، بصلاحيات مطلقة، في ظل حكومة ضعيفة.
خلية عوض الله، تستعيد الإسطوانة المشروخة التي سمعناها تكرارا ومرارا حول جذب الاستثمارات والتوسع في التسهيلات والإعفاءات وتحطيم كل القيود البيروقراطية الوطنية، أو، للدقة، ما بقي منها. ولكن ، لماذا تأتي الاستثمارات إلى الأردن؟ ليس لدينا سوق كبيرة ولا عمالة ماهرة رخيصة ولا منظومة إنتاجية ولا طاقة رخيصة ولا مياه ولا قدرات منافسة دولية الخ؟ الاستثمارات تأتي، كما رأينا في العقد السابق، للنهب والحصول على المزيد من الأراضي والعقارات بلا مقابل والتراخيص المجانية وتسهيلات والإعفاءات الخ
لم تعد لدينا مناجم ولا شركات ولا خدمات لم تجر خصخصتها؛ وبينما كان السبب الرئيسي وراء الخصخصة هو خفض حجم الحكومة، نراه حجمها وقد تضاعف، إنما من دون إنتاجية أو عائدات للخزينة المستَنزَفة، لا وظائف ولا خدمات تنموية، وصناديق التنمية تحولت إلى مصارف لمنح البرجوازيين قروضا ميسرة.
33 % نسبة الفقر المدقع في البلاد، ومجتمعات محلية تسقط في وحدة التهميش واليأس. والمأزق الكبير أنه من هذه المجتمعات بالذات يتم تجنيد القوى المقاتلة في صفوف المؤسسة العسكرية والأمنية. ويؤدي ذلك، موضوعيا، إلى خلل أمني اجتماعي سياسي، سينفجر، عاجلا أم آجلا؛ كما رأبناه يحدث في ذيبان، وكما يمكن أن يحدث، بين عشية وضحاها، من أقصى البلد إلى أقصاها.
يدعي النيوليبراليون أن الرأسمالية الطُفيلية، العقارية ـ المالية، هي التي تنفق على أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، بينما الفائض الحقيقي الوحيد هو الذي تحققه هذه الأجهزة التي تقدم الإطار لكل استثمار عقاري ومالي وتراكم للثروات،أي الاستقرار الأمني الذي يتم الآن الحفر على أساساته المؤسسية والمهنية والاجتماعية.
أكلّ ذلك يأتي في سياق الحل النهائي القريب للقضية الفلسطينية على حساب الأردن؟
واهمٌ مَن يظن ذلك؛ فتماسك الدولة وقدرتها السياسية والاقتصادية والأمنية هي السياق الوحيد الممكن لأي تطور سياسي جدي نحو كونفدرالية أو فدرالية أردنية ـ فلسطينية. لكن المحافظين الجدد الذين عادوا لركوب صهوة البلد، مجددا، يفكرون، على الأرجح، بتمرير المشروع من خلال الفوضى.
طريق التطور الاقتصادي لا يمر عبر السوق والنيوليبرالية، وإنما عبر سيطرة الدولة الوطنية، وليس عبر الاستثمارات، وإنما عبر الحركة التنموية الشعبية، بإحياء الريف من خلال إعادة بناء منظومته الإنتاجية، وسيولة النقل العام وتقديم الخدمات الحديثة في التعليم والتأهيل للأغلبية. وهو لا يعتمد، أخيرا، على تدفق الرساميل وإنما على إدارة الموارد والعدالة ورفد خزينة الدولة بالضرائب التصاعدية.
نحن نعيش في إقليم لا يمكننا الانفصال عنه وعن مؤثراته. والإقليم مضطرب، والحروب مستمرة، ومن البلاهة أن نتصور إمكانية تطبيق نموذج السوق المفتوحة للرأسمال في هكذا ظروف. وحتى في ظروف أخرى: النيوليبرالية سقطت في العالم كله، مخلفةً وراءها بلدانا مدينة واقتصادات منهكة وشعوبا تتضور. وها نحن نشهد، في كل العالم، ظهور الحركات المعادية للعولمة الرأسمالية من انفصال بريطانيا عن أوروبا إلى حملة ترامب الفاشية وحملة ستاندرز الاشتراكية في الولايات المتحدة.
كأننا في واد .. والعالم كله في واد آخر؛ بينما لا تزال خلية من المحافظين الجدد تتحكم بالقرار وتتجه بنا نحو الهاوية؛ البرنامج النيوليبرالي الجديد يبدأ ومديونيتنا 33 مليار دولار، وسوف ينتهي وقد وصلت مديونيتنا إلى 50 أو 60 مليارا، بالإضافة إلى خسارة آخر ما نملك، وارتفاع نسب الفقر والبطالة إلى حدود تهدد بالكارثة.
والكارثة المضاعفة تتمثل في البرنامج الذي نجح في انحلال البيروقراطية، وانقسامها إلى فئتين، أحداهما ترسملت وتبرجزت واندمجت في المشروع، والفئة الثانية، فئة الأغلبية، تسرح بلا قيادة اجتماعية ولا وسيط سياسي.
...
تدرك الولايات المتحدة مأزق الحكم في الأردن، وهي تسعى لتغيير عميق في البنية السياسية الأردنية؛ هل واشنطن تترك الأطراف، تتفاعل سلبيا ـ كما لعبها باراك أوباما، أم نستعد للعبة حرب أميركة مكشوفة، أم نقاوم.؟
ومع ذلك، فإن أهم نصيحة قدمتها " نيويورك" إلى الرئيسة المحتملة هلاري كلنتون، هي عدم التورّط في حرب كلاسيكية في سوريا؛ بالنسبة للنيويورك تايمز" بسبب " انعدام الثقة" بالأردنيين ومؤسساتهم وبالنسبة إلينا نفرح فقط من زاوية تكتيكية، أي لمنجاة الأردن النسبية

2016.07.12

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. وصية الشهيد ناهض حتر
    25 أيلول 2017
  2. عن أشباه المثقفين
    25 أيلول 2017
  3. أكون أو لا أكون(*)
    25 أيلول 2017
  4. العبور إلى السماء(*)
    28 تشرين1 2016
  5. فلنتذكّرْ مهدي عامل...
    07 تشرين1 2016
  6. تركيا وإيران: الإسلام السياسي وتأثيراته في المنطقة(*)
    03 تشرين1 2016
  7. هامش على السهروردي القتيل
    02 تشرين1 2016
  8. خط الصدع في الأزمة السورية
    20 أيلول 2016
  9. سوريا .. بوصفها دولة مقاومة
    08 آب 2016
  10. " نيويورك تايمز" تهاجم !
    12 تموز 2016
  11. الأردن: عودة نهج المحافظين الجدد
    21 حزيران 2016
  12. القلاّب يبريء الإرهاب التكفيري
    16 حزيران 2016
  13. هل يمكن تلافي الكونفدرالية؟
    27 أيار 2016
  14. انتصار الأسد، خيارا ورئيسا
    27 آذار 2016
  15. ليبراليون من أصلٍ يساريّ
    27 آذار 2016
  16. الأول من آذار، ذكرى مولد الزعيم
    02 آذار 2016
  17. الإكتئاب السنّي؛ دوافعه وسياقه وحصاده
    02 آذار 2016
  18. الأسد لسوريا ونصرالله للبنان؛ كيف لا يُجَنّ آل سعود؟
    29 شباط 2016
  19. لعنة الإبراهيمية
    27 شباط 2016
  20. لماذا أنا مشرقي؟
    25 شباط 2016
  21. غسان كنفاني
    24 شباط 2016
  22. الغاضب، أيضاً، على "الشعب الفلسطيني"!
    23 شباط 2016
  23. تحولات استراتيجية في المشرق
    21 شباط 2016
  24. سلطان الدواعش
    20 شباط 2016
  25. الرفيق فلاديمير بوتين
    18 شباط 2016
  26. الإسلام والسعودية و"داعش"؛ المبتدأ والخبر
    16 شباط 2016
  27. الحرب المنسيّة، لذكرى حافظ الأسد
    09 شباط 2016